الأب مونّس لـ Kataeb.org : البطريرك صفير سيحتفل بالمناسبة في الجميزة لأننا نحيي هذا العام الذكرى 1600 على وفاة القديس مارون و تمنى ان تكون المناسبة فرصة للخروج من الندب السياسي الذي يتخبط به مجتمعنا المسيحي
Kataeb.org : ان القديس مارون أو كما اعتاد الموارنة تسميته بأب الطائفة يستغل اليوم سياسياو لمارب لم تعد خافية على أحد. لكن من هو مار مارون ؟ وأين ولد مؤسس الطائفة المارونية ؟
في الواقع لم يتمكن الباحثون من تحديد المكان الذي تنسك فيه القديس مارون، لكن ما هو مؤكد أن ذلك تم في المنطقة الواقعة شمال غرب نهر العاصي في البقاع اللبناني وقرب الحدود السورية اللبنانية.ولكن ما هو مؤكد هو ان القديس مارون كان يتكلم السريانية ، هي اللغة التي كانت منتشرة في أنطاكيا و ما كان يعرف بالساحل الفينيقي و بجبل لبنان و ذلك قبل الفتوحات الاسلامية ودخول لغة القران الكريم أي العربية الى هذه المنطقة.
وتقول معلومات اخرى ان القديس مارون هو راهب ناسك، آرامي العرق وسرياني اللغة ، نشأ في مدينة قورش شمال شرقي انطاكيا أي تركيا حالياً وقد إختار القديس مارون قمّة في ضواحي قورش على علو نحو 800 متر، كان قد أقيم عليها قديماً هيكل وثني لتكريم الشياطين، وكانت هذه المنطقة قد خلت من سكانها، فقصدها مارون في النصف الثاني من القرن الرابع وكرّس هذا المعبد لله وعبادته.
الولادة
لا تملك الكنيسة المارونية اليوم وثائق أو اثباتات تحدد مكان ولادة القديس مارون الا ان بعض العلماء يرجحون ولادته في مدينة " نابو" السورية كما انه لا توجد أية معلومة عن ظروف نشأته وطفولته .
لكن ما يؤكده بعض رجال الدين هو انه ترك الناس والمدينة، وانقطع على جبل "قوروش" القريب من مدينة "نابو" وكان يسمى جبل "نابو" نسبة إلى الاله "نابو" الذي كان يعبده سكان تلك المدينة، قبل المسيحية ولما اعتنقوا الايمان المسيحي تركوا الجبل مقفراً خالياً والبعض يظن كأن المشيئة الالهية قد رادت ان يقوم مارون باعادة غرسه بطريقة اخرى.
وتفرغ مارون إلى التعبد و التنسك وعبادة الله في جبل نابو الذي أصبح محجا للمؤمنين الذين باتوا يقصدونه للتبرك من قديسه الناسك.ومع مرور الزمن بات الناس ينادون القديس مارون بالأسقف.
ويقول الدارسون والباحثون في حياة القديسين ان مارون مارس أقسى انواع التقشفات والاماتات وعاش تحت خيمة صغيرة وكان لا يستظلها الا نادراً. "وبعد فترة من مكوثه في جبل نابو قام قديس الموارنة الأول بتكريس معبد الاله الوثني نابو للرب يسوع ومن ذلك المعبد انطلقت المارونية الى اصقاع الارض.
تقول الكنيسة المارونية ان القديس مارون امتلك نعمة الشفاء والقيام بالاعاجيب الكثيرة، فذاع صيته في المعمورة وتقاطر البشر اليه لكي يشفو من امراضهم الجسدية والنفسية على حد سواء حتى أن شهرته وصلت إلى كافة انحاء بلاد أنطاكيا.
لم تقتصر عجائب القديس مارون على شفاء امراض الجسد بل تعداه إلى شفاء امراض الروح والنفس، يقول المؤرخ "فوسجتر" وهو من ابرز المؤرخين في العالم، متحدثاً عن القديس مارون فيقول: "أن القديس مارون كان أول من مارس العيش في العراء معرضاً نفسه لقسوة عوامل الطبيعة، وأن بعض النساك في مقاطعة قوروش قد تبنوا هذا النمط من العيش، و خاصة الرهبان العموديين وعلى راسهم سمعان العمودي، أن القديس سمعان العمودي ما هو الا تلميذ في مدرسة النسك التي اسسها مارون".
رسالة يوحنا فم الذهب
يقال ان صداقة قوية ربطت القديس مارون مع "يوحنا الذهبي الفم" الذي كان اسقف دمشق ، ومن الممكن أن الصداقة التي قامت بين مارون ويوحنا الذهبي الفم قد تكونت في انطاكية حيث من الممكن أن كلاهما قبل بدء دعوته قد زارا المدينة التي كانت تعد مركزاً للاهوت في الشرق، وهناك اصبحا صديقين. وبعد تلك الصداقة، ارسل يوحنا الذهبي الفم من ارمينيا رسالة إلى القديس مارون، وهي رسالة نفيسة جداً 36، وفيها تظهر روابط المحبة والالفة الكبيرة والشديدة، والاخوة في المسيح التي تجمع بين القديسين. يقول القديس يوحنا الدمشقي في تلك الرسالة:
"إلى مارون الكاهن والناسك، أن رباطات المحبة والمودة والصداقة التي تشدنا اليك تقف نصب اعيننا كانك عندنا وبيينا لان عيون المحبة تخرق في طبعها الابعاد ولا يضعفها طول الزمان وكنا نود أن نكاتبك بكثرة لولا بعد الشقة وقلة المسافرين إلى نواحيكم. اما الان فاننا نهدي اليك اطيب التمنيات ونحب أن تكون على يقين من اننا لا نفتر من ذكرك اينما كنا لما لك في ضميرنا من منزلة رفيعة فلا تضن انت ايضاً علينا انباء صحتك لان اخبارك تولينا على البعد وتبعث فينا السرور والتعزية في منفانا وعزلتنا وتطيب نفسنا كثيراً. اذ اننا نعلم انك في عافية نسألك أن تصلي إلى الله لنا من اجلنا. امين. "والرسالة ماخوذة عن كتاب "مين" لاباء اليونان مجلد 72. لقد ارسلت تلك الرسالة في العام 403 او 404 على الاغلب!.
الوفاة
كما أنه ليس هناك من تاريخ محدد للولادة فلا تاريخ محدد للوفاة التي يجمع المؤرخون انها حصلت قرابة العام 410، ولما توفي القديس مارون دفن اولاً في مغارة القديس زابيلا وهو من أحد تلاميذ القديس مارون الا انه توفي قبله، وكان مارون يحبه كثيراً ويقتدي به، فطلب أن يدفن عند وفاته فيه، ومن ثم قامت مشاكل بين سكان قرى تلك الانحاء حول الاحتفاظ في الجثمان نظراً لكونه مصدر خير للجميع، فقام سكان مدينة كفر نابو بسرقته ونقله إلى قريتهم حيث اشادوا كنيسة كبيرة على اسمه.
بداية الموارنة
منذ القديم عمد الموارنة إلى تكريم القديس مارون وعشقوا ، عبر تاريخهم، سكن القمم، على الرغم من وعورتها وشظف العيش فيها. بجهدهم وعرق جبينهم فتتوا الصخور، وحولوها حقولاً زراعيةً وجنائن . من تلك القمم، قمة جبل عنايا ووادي قاديشا الشاهد الاول علة مقاومة هذا الشعب.
بداية الاضطهاد في جبيل
بعد مقتل البطريرك جبرائيل الثاني من حجولا سنة 1367، تشتت الموارنة وحل الشيعة محلهم. لكن الموارنة عادوا لاسترجاع أملاكهم. استرجعا من الشيعة محلة "رويسة عنايا" (المحبسة حالياً)، وفيها آثار معبد قديم رمماه في سنة 1811، وبنيا لهما في جواره مسكنا ً. وسنة 1826، ابتدأ العمل على نقل الدير من محله القديم قرب "البيدر" الى مكانه الحالي، وانتهى العمل في بناء الكنيسة الحالية للدير سنة 1828. وبين سنتي 1838 و1841، تم بناء جميع الأقبية. وحلت بالدير نكبة، سنة 1842، وهي مهاجمة أهل بلدة حجولا للدير ونهبه وحرقه وقتل أحد رهبانه الأخ اسكندر الترتجاني. عند ذلك، هجره الرهبان فترة 15 سنة متقطعة حتى سنة 1860.
بداية الرهبنة
يقول المؤرخ تيودوريطس القورشي أن جسمان مارون كان قريباً من مركز ابرشيته وهذا ما استنتجه المستشرق البلجيكي الأب هنري لامنس في القرن التاسع عشر حين اعتبر ان الجثمان قد يكون في شمال سوريا، جنوب قورش دون تأكيد الامر.
تكريماً لهذا القديس العظيم، شيّد الأمبراطور البيزنطي مرقيانوس سنة 452م، ديراً يحمل إسمه لا يدري أحد بالضبط موقعه حالياً إنما من المحتمل أن يكون بجوار بلدة معرّة النعمان في سوريا وأيضا دون تاكيد ذلك .
انتسب رهبان كثيرون الى هذا الدير، فدعووا برهبان دير مار مارون، كما انضوى ايضاً عدد لا يستهان به من الراهبات ولعل اشهرهن : مارانا، وكيرا، ودومنينا… ومن المفارقة أن تكون تلك الأسماء تعني جميعها “السيدة العذراء” باللغات السريانية والبيزنطية واللاتينية التي كانت سائدة آنذاك.
الموارنة اليوم
على مر التاريخ تغلب الموارنة وفي جبل لبنان تحديدا على الفتوحات والاضطهادات رغم الخسائر التي كانوا يتكبدونها .وفي العصر الحديث خاض الموارنة في لبنان أشرس المعارك وسطروا اروع الملاحم البطولية حفاظا على وجودهم الحر و شكل حزب الكتائب اللبنانية راس الحربة في الدفاع عن هذا الوجود الحر.لكن الفترة الممتدة من العامين 1989 و1990 شكلت نقطة الصفر لبداية التقهقر المسيحي بعد ان اندلعت حربي الالغاء والتحرير ما سمح لسوريا أن تضع يدها على المنطقة المسيحية الحرة .
وعرفت الفترة الممتدة من 1990 وحتى 2005 بفترة الهيمنة السورية والتي اتسمت بتدخل السوريين بكل تفاصيل الحياة في لبنان وبخاصة تعيين الاشخاص في كل المناصب السياسية والإدارية والأمنية. وخلال هذه الفترة ارتفع الدين العام إلى 40 مليار دولار.في هذا الوقت استغل حزب الله ضعف القيادات المسيحية فقام بتمتين قواعده الشعبية واستراجيته العسكرية وبدعم لا محدود من إيران وسورية.
الأب يوسف مونس قال لـ Kataeb.org ان على المسيحيين اليوم ان يعودوا الى الجزور الانسانية الاساسية التي اعطانا اياها مار مارون والعودة الى التجرد والزهد والاقتداء بمسيرته . أما في البعد الاجتماعي فعلى الموارنة اليوم أن يتقاسموا الخبز مع الفقراء والمعوزين والمشاركة بفواجع اهالي الشهداء الذين يجب ان يظلوا البذور من اجل تجديد الوجود المسيحي في الشرق والايام السوداء التي مررنا بها في الماضي القريب و التي نجتازها اليوم هي نفسها التي مررنا بها أيام القديس مارون و مع ذلك استطاع الموارنة القيام بأهم نهضة ثقافية في الشرق و أسسوا المدارس و أنشأوا الطباعة يوم كان الشرق غارقا في الجهل والظلام و أسسوا المجمع اللبناني وانفتحوا على الغرب وعلى الهجرة والاغتراب.
وعن انقسام المناسبة بين براد والجميزة قال الاب مونس :"أينما كان يجب أن تدق الأجراس ومار مارون موجود في كل اصقاع الارض لكن منذ ان دخلنا في السياسة أدخلنا الموارنة الى الجحيم ."
ولفت الى ان البطريرك صفير سيحتفل بالمناسبة في الجميزة لأننا نحيي هذا العام الذكرى 1600 على وفاة القديس مارون و تمنى ان تكون المناسبة فرصة للخروج من الندب السياسي الذي يتخبط به مجتمعنا المسيحي.
وردا على سؤال قال مونس:" لا أتوقع دور ريادي للمسيحيين لان زعماء اليوم لا خير فيهم وعلينا انتظار جيل الشباب. "
بيار البايع - Kataeb.org Team